Views: 0

موعظة غبطة البطريرك مار بولس الثالث نونا في بازيليك القدّيس بطرس – الفاتيكان
١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
الشَّرِكَةُ الكَنَسِيَّةُ: الدُّخُولُ في حَيَاةِ الثَّالُوثِ وَالتَّجَسُّدُ فِي جَسَدِ المَسِيحِ –
أيّها الأحبّاء في الربّ، إنّ أوّل ما ينبغي أن يُقال عن الكنيسة هو أنّها لا تُعرَّف من الخارج. فكلُّ تعريفٍ ينظر إليها بوصفها هيئةً منظَّمةً (ܓܘܫܡܐ ܡܪܘܬܒܐ)، أو تراثًا ثقافيًّا (ܣܦܝܬܐ ܡܪܕܘܬܢܝܬܐ)، أو انتماءً طائفيًّا موروثًا (ܚܦܝܩܘܬܐ ܐܘܡܬܐܢܝܬܐ)، إنّما يصف قشرتَها المنظورة ويُخطئ لُبَّها.
الكنيسة – بالكلدانية «ܥܕܬܐ»، أي الجماعة المدعوّة والمُجتمِعة – ليست تجمُّعًا اختاره البشرُ لأنفسهم، بل هي جماعةٌ نشأت من نداءٍ إلهيّ سابقٍ على إرادة المدعوّين. لم يجتمع الرسل فأسّسوا كنيسة؛ بل دعاهم المسيح فصاروا كنيسة. وهذا الفارق ليس دقّةً لفظيّة، بل هو مفصلُ اللاهوت كلِّه.
من هنا فإنّ الشركة — «ܫܘܬܦܘܬܐ» — ليست ثمرةً من ثمار الحياة الكنسيّة، ولا نشاطًا اجتماعيًّا يُضاف إلى العبادة، بل هي جوهرُ كينونة (ܐܝܼܬܼܘܬܼܵܐ) الكنيسة ذاتها.
الكنيسةُ شركةٌ قبل أن تكون مؤسّسة (ܫܘܼܬܼܐܵܣܵܐ)، وسِرٌّ قبل أن تكون نظامًا (ܕܘܼܒܵܪܵܐ)، وجسدٌ حيٌّ قبل أن تكون بنيانًا من حجر


إِنَّ الشَّرِكَةَ، في جَوْهَرِها، هِيَ سِرٌّ يَنْبَعُ مِنْ حَيَاةِ اللهِ نَفْسِهِ، وَيُعْطى لِلإِنْسانِ بِالنِّعْمَةِ، وَيَتَجَسَّدُ في الكَنيسَةِ كَشَعْبِ اللهِ وَجَسَدِ المَسيحِ وَهَيْكَلِ الرّوحِ القُدُسِ.
لِهٰذا فَإِنَّ أَيَّ حَديثٍ عَنِ الشَّرِكَةِ الكَنَسِيَّةِ يَبْقى ناقِصًا إِنْ لَمْ يَبْدَأْ مِنَ الثَّالُوثِ، وَيَمُرَّ بِسِرِّ التَّجَسُّدِ، وَيَتَحَقَّقْ ليتورجيًّا وَأَسْراريًّا في حَياةِ الكَنيسَةِ. فَالكَنيسَةُ في تَقْليدِ المَشْرِقِ لَيْسَتْ جَماعَةً اجْتَمَعَتْ حَوْلَ ذِكْرى يَسوعَ، بَلْ هِيَ فَضاءُ (ܐܲܬܼܪܵܐ) اشْتِراكٍ حَقيقيٍّ في الحَياةِ الَّتي تَنْبَعُ مِنَ الآبِ، وَتُعْطى بِالابْنِ، وَتُخْتَمُ بِالرّوحِ القُدُسِ.
لا تَنْبُعُ الشَّرِكَةُ الكَنَسِيَّةُ مِنْ حاجَةٍ بَشَرِيَّةٍ إِلى التَّجَمُّعِ فَحَسْب، بَلْ مِنْ أَصْلٍ إِلٰهِيٍّ أَعْمَقَ. فَالمَصْدَرُ الأَوَّلُ لِكُلِّ شَرِكَةٍ كَنَسِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ هُوَ شَرِكَةُ الثَّالُوثِ القُدُسِ: الآبِ وَالابْنِ وَالرّوحِ القُدُسِ.
مَعْنى ذٰلِكَ أَنَّ الكَنيسَةَ لا تَخْتَرِعُ الشَّرِكَةَ، بَلْ تَسْتَقْبِلُها. وَلا تُنْشِئُ الوَحْدَةَ مِنْ خارِجِ اللهِ، بَلْ تَدْخُلُ في الوَحْدَةِ الَّتي يَحْياها اللهُ في ذاتِهِ. وَهُنا يَظْهَرُ العُمْقُ المَشْرِقيُّ: الشَّرِكَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قُرْبٍ بَيْنَ الأَشْخاصِ، بَلْ هِيَ اشْتِراكٌ في حَياةٍ مُعْطاةٍ مِنْ فَوْقُ، حَياةٍ تَجْعَلُ مِنَ الكَثيرينَ واحِدًا مِنْ دُونِ أَنْ تُلْغيَ اخْتِلافاتِهِمْ.
إِذًا، الشَّرِكَةُ الكَنَسِيَّةُ لَيْسَتْ نَقيضَ التَّنَوُّعِ (ܫܘܚܠܦܹܐ) بَلْ صيغَتُهُ المُفْتَدَاةُ. وَهٰذا يَنْسَجِمُ مَعَ التَّأْكيدِ الكَلْدانيِّ المُعاصِرِ عَلَى أَنَّ «السَّيْرَ مَعًا» يَعْني تَنَوُّعَ المَواهِبِ في الوَحْدَةِ، لا صَهْرَها في تَماثُلٍ خارِجيٍّ.
فِي ضَوْءِ هٰذا، لا يَعودُ السُّؤالُ: كَيْفَ نُحافِظُ عَلَى الشَّرِكَةِ؟ بَلْ: كَيْفَ نَسْمَحُ لِسِرِّ المَسيحِ أَنْ يَتَجَسَّدَ في عَلاقاتِنا الكَنَسِيَّةِ؟ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عِنْدَئِذٍ لا تَكونُ تَدْبيرًا إِداريًّا (ܡܕܒܪܢܘܬܐ) بَلْ تَجَلِّيًا مِسْتَمِرًّا لِحُضورِ المَسيحِ في جَسَدِهِ.
يُظْهِرُ التُّراثُ المَسيحيُّ أَنَّ الكَنيسَةَ تُفْهَمُ في آنٍ مَعًا عَلَى أَنَّها شَعْبُ اللهِ، وَجَسَدُ المَسيحِ، وَهَيْكَلُ الرّوحِ القُدُسِ هٰذِهِ التَّعابيرُ لَيْسَتْ مَجازاتٍ وَعْظِيَّةً، بَلْ مَفاتيحُ إكليسيولوجيَّةٌ تُفَسِّرُ طَبيعَةَ الشَّرِكَةِ.
فَمِنْ دُونِ الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ تَتَحَوَّلُ الكَنيسَةُ إِلى مُؤَسَّسَةٍ. وَمِنْ دُونِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الأَعْضاءِ، يَصيرُ الحَديثُ عَنِ اللهِ تَجْريدًا (ܣܘܼܪܵܩܵܐ). وَمِنْ دُونِ الشَّرِكَةِ الأَسْراريَّةِ تَضْعُفُ الكَنيسَةُ في عُمْقِها وَتُخْتَزَلُ إِلى هُوِيَّةٍ ثَقافِيَّةٍ أَوْ اجْتِماعِيَّةٍ.
لِذٰلِكَ فَإِنَّ أَعْمَقَ أَزْمَةٍ تُصيبُ الشَّرِكَةَ الكَنَسِيَّةَ لَيْسَتْ اخْتِلافَ الآراءِ، بَلْ ضَعْفَ الحِسِّ الأَسْراريِّ. عِنْدَما يَضْعُفُ الوَعْيُ بِأَنَّنا نَعِيشُ مِنْ مائِدَةٍ واحِدَةٍ، وَنُخْتَمُ بِرُوحٍ واحِدٍ، وَنُنْسَبُ إِلى رَبٍّ واحِدٍ، تَتَفَكَّكُ الكَنيسَةُ دَاخِلِيًّا حَتّى إِنْ بَقِيَتْ بِنْيَتُها الخارِجِيَّةُ قائِمَةً.
في الإِيمانِ العَميقِ، لا تَعْني الشَّرِكَةُ الكَنَسِيَّةُ أَنْ نُجيدَ العَيْشَ مَعًا ظاهِريًّا، بَلْ أَنْ نَحْمِلَ بَعْضُنا بَعْضًا في المَسيحِ. الشَّرِكَةُ الحَقِيقِيَّةُ تَعْني أَنْ يَصيرَ فَرَحُ الآخَرِ شَأْنًا يَخُصُّني، وَجُرْحُهُ جُرْحًا يَمُرُّ في قَلْبي، وَسُقوطُهُ دَعْوَةً لِلصَّلاةِ وَالتَّرْميمِ لا لِلدَّيْنُونَةِ وَالإِقْصاءِ.
المُؤْمِنُ لا يَنْضُجُ عِنْدَما يَعْرِفُ كَثيرًا فَحَسْب، بَلْ عِنْدَما يَصيرُ قادِرًا عَلَى العَيْشِ “مَعَ” وَ “مِنْ أَجْلِ” لا “مُقابِلَ” وَ”ضِدَّ”.
تُؤَكِّدُ الدِّراساتُ الكَلْدانيَّةُ أَنَّ كَنيسَةَ المَشْرِقِ حَمَلَتِ الإِنْجيلَ بِعُمْقٍ مِنْ خِلالِ لاهوتِها الكِتابيِّ وَالآبائِيِّ وَلِيتورجيَّتِها الأَصيلَةِ وَرُوحانِيَّتِها. وَهٰذا يَعْني أَنَّ الشَّرِكَةَ في التَّقْليدِ الكَلْدانيِّ لا تُفْهَمُ بَعِيدًا عَنِ الليتورجيا، لِأَنَّ الليتورجيا هِيَ المَوْضِعُ الَّذي تَتَعَلَّمُ فيهِ الكَنيسَةُ كَيْفَ تَكونُ كَنيسَةً.
في الليتورجيا، لا يَقِفُ المُؤْمِنُ أَمامَ اللهِ كَفَرْدٍ مَعْزولٍ، بَلْ كَعُضْوٍ في جَماعَةٍ مَدْعُوَّةٍ إِلى التَّقْدِمَةِ وَالشُّكْرِ وَالتَّسْبيحِ. هُناكَ يَتَعَلَّمُ أَنَّ صَوْتَهُ لا يَكْتَمِلُ إِلَّا مَعَ أَصْواتِ الآخَرينَ، وَأَنَّ صَلاتَهُ تَدْخُلُ في صَلاةِ الجَسَدِ كُلِّهِ وَأَنَّ اقْتِرابَهُ مِنَ المَذْبَحِ يَفْتَرِضُ أَنْ يَتَخَلّى عَنْ أَنْ يَعيشَ كَفَرْدٍ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ.
مِنْ هُنا، فَإِنَّ تَجْديدَ الشَّرِكَةِ الكَنَسِيَّةِ لا يَكونُ بِشَعاراتٍ عاطِفِيَّةٍ فَحَسْب، بَلْ بِالعَوْدَةِ الجادَّةِ إِلى عَيْشِ الليتورجيا كَتَرْبِيَةٍ عَلَى الوَحْدَةِ وَالتَّقَدُّمِ مَعًا نَحْوَ اللهِ.
أَيُّهَا الأَحِبّاءُ،
إِنَّ الكَنيسَةَ المَشْرِقيَّةَ الكَلْدانيَّةَ، بِتُراثِها وَليتورجيَّتِها وَجُرْحِها وَرَجائِها، مَدْعُوَّةٌ اليَوْمَ أَنْ تَشْهَدَ مِنْ جَديدٍ لِهٰذا العُمْقِ أَنَّ الشَّرِكَةَ لَيْسَتْ أَنْ نَكُونَ مَعًا فَقَطْ، بَلْ أَنْ نَصيرَ في المَسيحِ واحِدًا، مِنْ دُونِ أَنْ يَفْقِدَ أَحَدٌ وَجْهَهُ، وَمِنْ دُونِ أَنْ يَسْقُطَ أَحَدٌ خَارِجَ المَحَبَّةِ.
فَلْنَطْلُبْ، إِذًا، لا شَرِكَةً سَهْلَةً وَمُجامِلَةً، بَلْ شَرِكَةً مَصْلوبَةً وَقائِمَةً، شَرِكَةً تَنْبَعُ مِنَ المَذْبَحِ، وَتَتَطَهَّرُ بِالتَّوْبَةِ وَتَتَغَذّى بِالقُرْبانِ، وَتَتَجَلّى في قُلوبٍ تَعْرِفُ كَيْفَ تَغْفِرُ وَتَحْمِلُ وَتَنْتَظِرُ. عِنْدَئِذٍ فَقَطْ لا نَكونُ قَدْ تَكَلَّمْنا عَنِ الشَّرِكَةِ، بَلْ صِرْنا نَحْياها.